الشيخ محمد رشيد رضا

149

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الصحابة والتابعين آثارا كثيرة في ذلك منها عن ابن عمر : لا تسألوا عما لم يكن فاني سمعت عمر يلعن السائل عما لم يكن . وعن عمر : أحرّج عليكم أن تسألوا عما لم يكن فان لنا فيما كان شغلا . وعن زيد بن ثابت انه كان إذا سئل عن الشيء يقول : كان هذا ؟ فان قيل لا ، قال دعوه حتى يكون ، وعن أبيّ بن كعب وعن عمار نحو ذلك « وأخرج أبو داود في المراسيل من رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة مرفوعا ومن طريق طاوس عن معاذ رفعه « لا تعجلوا بالبلية قبل نزولها فإنكم ان تفعلوا لم يزل في المسلمين من إذا قال سدد أو وفق ، وان عجلتم تشتت بكم السبل » وهما مرسلان يقوّي بعض بعضا . ومن وجه ثالث عن أشياخ الزبير بن سعيد مرفوعا « لا يزال في أمتي من إذا سئل سدد وأرشد حتى يتساءلوا عما لم ينزل » الحديث نحوه « قال بعض الأئمة : والتحقيق في ذلك أن البحث عما لا يوجد فيه نص على قسمين ( أحدهما ) ان يبحث عن دخوله في دلالة النص على اختلاف وجوهها ، فهذا مطلوب لا مكروه ، بل ربما كان فرضا على من تعين عليه من المجتهدين ( ثانيهما ) ان يدقق النظر في وجوه الفروق فيفرق بين متماثلين بفرق ليس له أثر في الشرع ، مع وجود وصف الجمع ، أو بالعكس بأن يجمع بين متفرقين بوصف طردي مثلا ، فهذا الذي ذمه السلف ، وعليه ينطبق حديث ابن مسعود رفعه « هلك المتنطعون » أخرجه مسلم . فرأوا أن فيه تضييع الزمان بما لا طائل تحته . ومثله الاكثار من التفريع على مسئلة لا أصل لها في الكتاب ولا السنة ولا الاجماع ، وهي نادرة الوقوع جدا ، فيصرف فيها زمانا كان صرفه في غيرها أولى ، ولا سيما ان لزم من ذلك اغفال التوسع في بيان ما يكثر وقوعه « وأشد من ذلك في كثرة السؤال البحث عن أمور مغيبة ورد الشرع بالايمان بها مع ترك كيفيتها ، ومنها ما لا يكون له شاهد في عالم الحس كالسؤال عن وقت الساعة ، وعن الروح ، وعن مدة هذه الأمة - إلى أمثال ذلك مما لا يعرف الا بالنقل الصرف ، والكثير منه لم يثبت فيه شيء ، فيجب الايمان به من غير بحث . وأشد من ذلك ما يوقع كثرة البحث عنه في الشك والحيرة ، وسيأتي مثال ذلك في حديث أبي هريرة رفعه « لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا اللّه خلق الخلق فمن